كنيسة القديس جورجيوس في رحاب – كنيسة بيزنطية مزينة بالفسيفساء EN: Saint Georgios Church in Rehab – Byzantine church with ancient mosaics

كنيسة القديس جورجيوس

كنيسة القديس جورجيوس | Saint Georgios Church : أقدم كنيسة في العالم؟

كنيسةٌ تطل على التاريخ من علياء التلال

على تلٍّ مرتفع في الجهة الشرقية الجنوبية من مدينة رحاب، الواقعة جنوب محافظة المفرق شمال شرقي الأردن، تقف كنيسة القديس جورجيوس شامخة رغم أنقاضها، شاهدةً على عراقة الحضارة المسيحية في بلاد الشام. من موقعها المرتفع، تُشرف الكنيسة على تضاريس رحاب المذهلة، وتستدعي عبر صمتها المهيب ذاكرة الحجاج والعبّاد الذين مروا من هنا، حاملين صلواتهم في زمنٍ كانت فيه العقيدة سرًّا والعبادة مغامرة.

الطراز المعماري والقصة الغامضة

بُنيت الكنيسة وفق الطراز البازيليكي التقليدي، بأبعاد تبلغ 24 × 11 مترًا. وعلى الرغم من أن الكثير من تفاصيلها المعمارية قد تلاشت بفعل الزمن، فإن ما تبقّى منها يفيض بخشوعٍ خاص. وما تزال أروقة الباحثين تعجّ بالنقاشات حول تاريخ تأسيسها:

  • هل تعود للقرن الثاني الميلادي كما تشير بعض الروايات؟
  • أم أنها بُنيت في القرن السادس الميلادي كما يرجّح آخرون؟

لكن، وسط هذا الجدل، تبقى الحقيقة الثابتة أنها واحدة من أقدم الكنائس المكتشفة في العالم، وتحمل اسمًا خالدًا في ذاكرة الشهادة المسيحية: القديس جورجيوس (مار جرجس).

قصة العبادة السرّية في كهفٍ منحوت بالصخر

تبدأ قصة الكنيسة في عام 230 ميلادية، عندما اعتنقت جماعةٌ من سكان المنطقة – يُقدّر عددهم بنحو 70 شخصًا – الديانة المسيحية التوحيدية سرًا، خوفًا من اضطهاد الدولة الرومانية الوثنية.
نحتت هذه الجماعة كهفًا في باطن الأرض لممارسة شعائرهم الدينية في الخفاء، ويُشكّل هذا الكهف اليوم القسم السفلي من الكنيسة، المعروف باسم “الكنيسة الكهفية”.

وقد استدلّ الباحثون على أنه كان مكانًا مقدسًا من خلال وجود حنية قوسية الشكل تتجه نحو الشرق، وهي سمة معمارية تدل على أداء الطقوس الدينية.

من كهف سرّي إلى كنيسة علنية

مع منتصف القرن الرابع الميلادي، وبعد أن أصبحت المسيحية ديانة مسموحة، تم بناء القسم العلوي للكنيسة فوق الكهف. ويحتوي هذا الجزء على نقش فسيفسائي مذهل، جاء فيه:

“باسم الثالوث المقدس، تمت التقدمة من قبل أحباء الله السبعين وصاحب القداسة رئيس الدير المحق، وقد أُنجزت باسم المنتصر المظفر القديس جورجيوس، وذلك في شهر أبيلليون (نوفمبر) في الزمن الثامن عشر من العام 124”.

يُشير هذا النقش إلى عمق الالتزام الديني لتلك الجماعة، ويُعدّ من أقدم الشواهد التاريخية المسيحية في المنطقة.

مقابر رجال الدين وتصميم نادر

تضم الكنيسة ثلاث مقابر قديمة، يُعتقد أنها تعود لرجالات دين مسيحي بارزين. وقد شُيّدت هذه المقابر وفق الطراز الكهفي النادر، ويُدخل إليها عبر درج حجري.
تبلغ أبعاد المقبرة البيضاوية نحو 7 أمتار عرضًا و5 أمتار طولًا.

كنز أثري ينتظر الاكتشاف

عُثر في موقع الكنيسة على مسكوكات، فخار، ونقوش تؤرخ لتلك الحقبة الزمنية المبكرة، وتدعم الفرضية القائلة بأن الكنيسة كانت مركزًا دينيًا نشطًا منذ القرن الثالث الميلادي.

أما من الناحية المعمارية، فقد ضمّ الجزء العلوي غرفتين:

  • غرفة جنوبية لتعميد الأطفال.
  • غرفة شمالية لتبديل ملابس الكهنة وتخزين هدايا الكنيسة.

اكتشاف حديث ومقصِد سياحي صاعد

رغم عدم الترويج الكافي لها، أصبحت الكنيسة مقصداً للزوار والباحثين من مختلف دول العالم، حيث يزورها المئات سنويًا، منذ اكتشافها عام 2002 على يد فريق تابع لـ دائرة الآثار العامة الأردنية.

وبحسب مدير آثار المفرق إسماعيل الملحم، فإن الكنيسة بُنيت على مرحلتين زمنيتين، وتمت صيانتها بعد التنقيب، مؤكدًا أن الموقع يمكن أن يتحوّل إلى نقطة جذب سياحي مهمة.


الخاتمة: بين الحجارة صدى الصلاة

ليست كنيسة القديس جورجيوس مجرّد موقع أثري، بل هي ذاكرة محفورة في الصخر، تروي قصة التحوّل من الخوف إلى الإيمان، ومن السر إلى العلن. وبين أطلالها، تظلّ الأصوات الهامسة والصلوات المكتومة شاهدةً على أعظم التحولات في التاريخ الروحي للمنطقة.

📸 صور من الكنيسة

Shopping Cart